كثيرون منّا اليوم يعيشون في #ليبيا كأنهم خطأ إداري. كأن وجودهم مؤقت، كأن عليهم دائمًا أن يبرّروا لماذا لا يشبهون هذا القبح، ولماذا لم يتعلّموا فنّ التكيّف مع الرداءة.
فالذي يختار الابتعاد عن الجريمة الجماعية يُدفَع تدريجيًا إلى الهامش. والذي يلتزم بالصدق يُصنَّفُ متعاليًا أو منفصلًا عن الواقع. ومن يصرّ على التفكير وطرح الأسئلة تُغلق في وجهه الدوائر ويُترك في مساحة رمادية بلا سند. ومع الوقت، يتحوّل الوجود نفسه إلى عبء، فيصير الصمت عملة أمان. إن الجهل في ليبيا قيمة اجتماعية يُكافَأ عليها الواحد.
فالجهل أداة لإسكات الأسئلة وتسويغ العنف، ولإعادة تدوير نفس الوجوه في دائرة الخراب. والجهل ينتج الفساد والفساد يتجاوز كونه استيلاءً على المال العام، ليغدو استيلاءً على الحدّ الأدنى من الكرامة التي يفترض أن تُشكّل حياة أي مواطن. كل محاولة لاستعادة هذه المعاني تُواجَه بتهم جاهزة، وفي أحسن الأحوال يُترَك صاحبها في الهامش.
أربعون عامًا من حُكم نظام الجماهيرية أعادت تشكيل المجتمع الليبي عبر تفكيك فكرة الدولة لصالح سلطة شخصية دُمّر فيها المجال العام حتى تحولت السياسة إلى خطر يومي. تعلّم الناس لغة مزدوجة بين ما يُقال في العلن وما يُفكَّر فيه سرًّا، وترسّخت ثقافة الحذر والتكيّف والنجاة الفردية. أنتج النظام السابق رعايا بعد نسفِ قيمة المواطنة، وزرع بدل المؤسسات شبكات خوف وتواطؤ. تآكلت الثقة بين الناس كنتيجة طبيعية؛ صار الاختلاف شُبهة.
وما نعيشه اليوم امتدادًا لتلك المرحلة، حيث استمر منطق الإقصاء والعقاب وتقديس القوة، وإن تغيّرت الوجوه والشعارات. لأن خمسة عشر عامًا من حُكم أقليات نخبوية فاسدة أدارت وما تزال تدير سنوات الحرب الأهلية كمورد، حوّلت البلاد إلى مساحات نفوذ وجعلت العنف لغة تفاوض. استثمرت هذه النخب في الانقسام، وراكمت الثروة والسلطة على حساب مجتمع مُنهك، وأعادت إنتاج منطق الإقصاء بنفس الأدوات وإن بدت جديدة. وترسّخت الحرب كحالة دائمة.
وفي هذا الفراغ تغلغلت الرأسمالية بوجهها المتوحش لتُسوَّق السرقة باعتبارها شطارة. أصبح المال القيمة العليا التي تُقاس بها المكانة والقدرة على النجاة، وتحول التراكم إلى معيار للذكاء الاجتماعي، وتغلّبت الانتهازية على النزاهة، وقدَّمت النجاة الفردية كفطنة، وصارت المواقف تُقاس بميزان الربح والخسارة. أعيد تشكيل الإنسان الليبي تدريجيًا كفرد معزول وشديد الحذر ومحكوم بالخوف وقابلًا للمقايضة في أي لحظة.
هذه التراكمات المتلاحقة تركت أثرها العميق في تشكيل الشخصية الليبية المعاصرة. خرج إلى الواجهة نموذج إنساني مثقل بالعفن الاجتماعي، متمرّس على الفساد، ومهووس بالشكليات كتعويض عن فراغ داخلي. انتشرت ثقافة الاستعراض والادّعاء، وطفح كل ذلك في تفاصيل الحياة اليومية. كوّن هذا التحول ملامح عامة لشخصية صُنعت عبر القمع، والحرب، والسوق المنفلت، وتعايشت طويلًا مع الخراب إلى أن أعادت إنتاجه في ذاتها.
وفي مواجهة هذا الخراب، يظهر الليبي المنعزل العارف بوصفه كائنًا على الحافة. يتحرّك في المدينة بوعي ليرى ما يجري دون المشاركة فيه، ويفهم منطق الانهيار دون التماهي معه. اختار العزلة كمسافة أمان أخلاقي، وكشكل من أشكال المقاومة الصامتة. إنه يعيش وسط الضجيج بذاكرة مثقلة وبأسئلة مفتوحة، مدركًا أن النجاة تمرّ عبر الحفاظ على الذات من التلوّث.
هؤلاء المنعزلون أفراد عاديون اختاروا الوقوف خارج دورة الانحطاط العام. اختيارهم بسيط، وهو حماية ما تبقّى من إنسانيتهم، ورفض التحوّل إلى نسخة أخرى أنتجها هذا الخراب السائد والمديد.
تحية إلى الليبي الهامشي في عزلته.