في مجتمعنا، تُقايض النساء حاضرها بمستقبل مجهول تحت شعار “بعد ما تاخذي راجل”. جملة تختصر نظامًا كاملا يمنع السفر والأناقة وغيرها من النشاطات ويجعلها حقوقا معلقة في محطة (ترانزيت) بانتظار الرجل الموعود، حيث يصبح الزواج شرطا أساسيا لممارسة الحياة، وتتحول هذه الجملة إلى حاجز نفسي وزماني، يُقسّم حياة النساء إلى مرحلتين، الأولى ما قبل الزواج وهي مرحلة الانتظار والترقب والقيود، وما بعد الزواج (الحرية في قاموسهم)، وهي مرحلة المقايضة، حيث تُمنح البديهيات بالقطّارة وكأنها مكرمة مَلكية.
هذا المنطق الاجتماعي ترك في ذاكرتي ندوبا لا تُمحى؛ أتذكر حين تجرأت في مراهقتي على تهذيب شعر حواجبي، وكيف تحول الأمر إلى جناية اجتماعية واجهتها والدتي بحدة وخوف من “العار”. لم يكن الذنب في الفعل نفسه، بل في توقيته؛ فالحواجب المهذبة في عرف العائلة هي علامة مسجلة للمتزوجات فقط.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الوجه، بل طال جسدي الذي بدأ يتشكل؛ فحين ارتديت فستانا يبرز ملامح أنوثتي، لم ترحمني همسات خالاتي التي طاردت ظهري كالسياط: “تحساب روحها مدام”. تلك الجملة لم تكن مجرد سخرية، بل مصادرة صريحة لرغبتي في التجمّل؛ ففي وعيهن، الأناقة وكسر حظر التجمّل المفروض هما امتياز لا يُمنح للمرأة إلا بختم رجل، أما قبل ذلك، فعليها أن تظل في حالة من التقشف الجمالي القسري، كي لا تسبق قدرها المرسوم.
وحين قررت السفر للعمل، لم تكن الصدمة التي داهمت عائلتي خوفا علي من الغربة ومشقاتها، بل ذعرًا من كسر بروتوكول تأجيل الحياة. كانت الهمسات تدور حول تساؤل واحد يتعلق بقيمتي السوقية كزوجة: “من مازال بياخذها توا؟”، كما حاولوا مقايضتي بالحرية المؤجلة بعبارة “سافري بعد ما تاخذي راجل”. وعندما تمسكت بقراري وسافرت، شكّل خروجي من بيت العائلة دون انتقال مباشر لبيت الزوجية صدمة لنساء العائلة تحديدًا، فما كان منهن إلا محاولة ترميم السمعة باختراع وصيّ وهمي يمنح تواجدي في الخارج صبغة القبول، ونشر شائعات عن سفر أحد إخوتي الذكور برفقتي.
لقد حوّل هذا الموروث الزواج من شراكة إنسانية إلى تأشيرة عبور وحيدة، راهنًا استحقاقات وطموحات شريحة واسعة من النساء في صالات انتظار كبرى. والحقيقة التي يخشاها حراس “بعد ما تاخذي راجل” هي أن العالم لا يتوقف عن الدوران حين تمارس امرأة حياتها بقرار منفرد؛ فالسفر والسكن والأناقة ليست مكافآت زواج تُصرف بالقطّارة، بل بديهيات لا تحتاج لوسيط أو ختم جودة اجتماعي لتدخل حيز التنفيذ.