دروج Drooj

ملوك المكان في رمضان.. مانحوا “الرّبح” السائرون بطيبتهم بعيداً

إنهم مرادف الخير وانعكاس البركة في المكان، السائرون بطيبتهم بعيدًا، الجامعون أشياءَهم وذكرياتَهم بانتظار السفر الموجع لنا ولبيوتهم التي كانت في زمن آخر مملكتهم الضاجة بطقوسهم وبتفاصيلهم الدافئة.

كم أنت محظوظ عندما تفتح عينيك في هذا العالم لتجد طعمًا آخر للحنان يختلف عن ذاك الذي قد يمنحه أب وتغمرك به أم، طعم آخر يختصر الحنان في “الحِنّ” الصافي المعتّق الذي ستناله فقط مع جدك أو جدتك، لم يأت من فراغ قول أطفالنا لجداتهم “حنّاي” و”حَنِّي”، ولم تعجز يوما العبارة الحكيمة “ما أعز من الولد إلا ولد الولد” عن اختصار هذه العلاقة الخاصة بيننا وبين امتدادنا البيولوجي جداتنا وجدودنا.

ومثل كل شيء جميل في هذا العالم هم الطعم المميز لكل أوقاتنا خاصة تلك المرتبطة بمناسباتنا الاجتماعية وبالعائلة ككيان اجتماعي نلوذ به ليقينا وحشة الأيام، لكنهم اليوم يبتعدون عن صخب الحياة معنا، من لم يرحل منهم يجلس على سرير في زاوية المربوعة أو إحدى غرف البيت، بيت يحرص ساكنوه على وضع طاولة صغيرة بجوار السرير حتى تبدو الأدوية الكثيرة أكثر ترتيبًا، ولا يغفلون عن وقت الدواء لكنهم قد يغفلون عن هدرزة دافئة تواسي قلب جدّ ترجّل عن فرسه واعتزل معارك الحياة التي خاضها ببسالة من أجلهم، وقد يغفلون عن استفزاز حكمة جدّة أعياها المرض وألزم جسدها الفراش فيبخلون عليها بمجرد حديث عابر قد يكون مفعوله أكبر من أي دواء تأخذه مرة كل ست ساعات.

هل تدركون معي أن جرودهم وفراملهم ووجوههم العتيقة تكاد تختفي تماما من طرقنا ومن حياتنا؟ هل تدركون أن من كانت لا تخرج من بيتها ولا يراها أحد إلا بردائها أو فراشيتها هي اليوم تجلس خائرة القوى في زاوية غرفة تنتظر بفارغ الصبر عبارة قصيرة باردة مثل “كيف حالك اليوم”؟

لقد تقاعدت عصيّهم وعكازاتهم واعتزلت المسارب، وأصبحوا غريبين في الحوش الليبي الذي يحاول مجاراة الوقت ومجاراة ظروف البلاد، ويلهث وراء ما يتحول كل يوم إلى سراب صنعه المتربعون على عرش السلطة، من زودوا عذاب سنواتهم وبخلوا عليهم بمسير هادئ ومريح إلى عالم آخر.

دعواتهم التي كانت تحرسنا أتعبها اليوم المسير من قلوبهم إلى ألسنتهم فوصلت طرف اللسان وتوقفت هناك، لكن الصدق ضخ فيها دم التحقق وقال لها كوني فكانت، ولا زلنا حتى اليوم نواصل الصمود ونعيش ببركة وجودهم بيننا.

ليحافظ كل من لديه كنز يشبه هؤلاء على كنزه، إنهم بركة الدنيا، سعادة غامرة بعضها لحظي وبعضها مؤجل، من كانوا يطعمون الأفواه ويسدون جوع البطون يحتاجون اليوم ليد رحيمة تربت على أرواحهم قبل حتى أن تطعمهم وتعطيهم “حبة الضغط” في وقتها.

وجوههم سبورة الزمن التي رسم عليها خطوطه العميقة حكمةً وحنانا تستحق أن نرسم عليها الابتسامات والقُبَل، وأصابعهم الواهنة التي كانت يوما تغزل الحياة بكل حب، وأجبرها تعب السنين على الاعتزال فتركت كل شيء وتأبطت عقيق المسبحة تداعبه بوهن، تستحق أن نقدسها طلبا للخير و”الربح” الذي لا يزورنا إلا بدعواتهم، وبوجودهم مانح الدفء للمكان وللزمان.

Share

منشورات ذات صلة

إنهم مرادف الخير وانعكاس البركة في المكان، السائرون بطيبتهم بعيدًا، الجامعون أشياءَهم وذكرياتَهم بانتظار السفر الموجع لنا ولبيوتهم…

في مجتمعنا، تُقايض النساء حاضرها بمستقبل مجهول تحت شعار "بعد ما تاخذي راجل". جملة تختصر نظامًا كاملا يمنع…

‏في الأيام الأخيرة، تحوّل نبات الداتورا "التفاح الشيطاني" إلى موضوع نقاش في ليبيا بعد تحذيرات محلية من انتشاره…

ظهرت في السنوات الأخيرة لغة لم تكن جزءًا من القاموس المحلي في ليبيا. هي لغة تشبه خطاب اليمين…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.