في الأيام الأخيرة، تحوّل نبات الداتورا “التفاح الشيطاني” إلى موضوع نقاش في ليبيا بعد تحذيرات محلية من انتشاره في مدينة شحات وضواحيها، مع الحديث عن ظهوره عقب السيول التي تلت إعصار دانيال وانتقال بذوره عبر الأودية إلى مناطق جديدة. تداولت صفحات ومواقع محلية وبيانات رسمية خبرًا عن النبات داخل نطاق بعض المدن وفي المدارس، مع تنبيه إلى طبيعته السامة وتأثيره على الجهاز العصبي وما قد يسببه من حالات هذيان واضطراب في الإدراك. وبين اللغة التحذيرية التي طغت على الأخبار، والدعوة إلى إعدامها، يبرز السؤال حول ما الذي نعرفه فعلًا عن هذه النبتة، وكيف يمكن فهمها بعيدًا عن الصياغات المثيرة، وضمن سياق علمي وثقافي يفسّر حضورها وخطورتها معًا.
الداتورا زهرة ليلية ذات بوق أبيض عَطِرٌ يتفتّحُ مساءً وينتشر عبقها كلما ازدادت العتمة. إنها نبتة مهلوسات من فصيلة الباذنجانيات، وتحتوي على مواد كيميائية طبيعية قوية تؤثر في الجهاز العصبي، ما قد يسبب تشوشًا ذهنيًا وهلوسات وفقدانًا مؤقتًا للإدراك عند تعاطيها. يتم التعاطي عادة عبر ابتلاع البذور أو أجزاء من النبات، أو غليها وشرب مستخلصها، وهي طرق ترتبط بخطورتها بسبب صعوبة تقدير الكمية الفعّالة، إذ تختلف تركيزات المواد من نبتة إلى أخرى وحتى من جزء إلى آخر داخل النبتة نفسها. تشمل أعراضها جفافًا في الفم، وتسارعًا في ضربات القلب، واضطرابًا في الرؤية، وفقدانًا للإحساس الدقيق بالزمان والمكان.
للداتورا تاريخ ثقافي طويل في جنوب غرب الولايات المتحدة وشمال غرب المكسيك. فقد عُرفت كنبات طقوسي لدى بعض القبائل الأصلية، وصارت جزءًا من تجارب العبور الروحي وطقوس الرؤى، حيث استُخدمت لدى مجموعات مثل الشوماش والتونغفا في تحضيرات تُمنح خلالها للشباب للدخول في تجربة روحية عميقة ارتبطت باختبار الوعي وتحمل أثره القوي. وفي الحكايات الشعبية ظهرت الداتورا في تجارب تصفها بكلمات مثل العمى المؤقت وفقدان التوازن وحتى الجنون، وهي صور تتقاطع مع ما ورد في بعض السرديات الأدبية الحديثة، مثل رواية خوف واشمئزاز في لاس فيغاس، حيث وصف (هنتر س ثومسون) تشوشًا بصريًا وعمى أصابه لفترة بعد تعاطيها، مصحوبَين باضطراب جسدي حاد وفقدان القدرة على الحركة.
يكتسب خبر ظهور الداتورا في ليبيا بعدًا مختلفًا بطبيعة الحال. فهي تظهر في سياق بيئي محلي تشكّل بعد السيول وتغيّر حركة التربة والبذور. انتقالها إلى فضاءات جديدة في المدن وضعها في مواجهة نظرة عامة تميل إلى لغة الخطر والتحذير، بينما تكشف قراءة أوسع أن الداتورا تتحرك كنبات بري متكيّف مع البيئة. فالنباتات ذات الخصائص المهلوسة أو السامة ليست ظاهرة استثنائية بحد ذاتها، بل جزء من التنوع الطبيعي المحيط بالإنسان، غير أن الخطاب الرسمي والإعلامي يحوّلها سريعًا إلى عدو مكتمل بدل تقديم فهم علمي يضع الظاهرة في سياقها البيئي والمعرفي الأوسع، ومقاربات أكثر هدوءًا تقوم على الرصد الميداني والتوعية بشكل النبات وخصائصه، وتنظيم عمليات إزالته من المساحات الحساسة كالمؤسسات التعليمية أو الزراعية، وبالأخص أن تواجدها في ليبيا ليس بالأمر الجديد.
وتبقى الداتورا زهرة ليلية تنفتح في العتمة، وتحمل في شكلها البسيط تاريخًا طويلًا من التأويلات والخوف والفضول. ظهورها في المدن يدفعنا إلى إعادة النظر في الأشياء التي نمرّ بجانبها دون أن نلاحظها. وبالرغم من كل هذا، تظل هذه الزهرة، بين العلم الذي يشرح تركيبها والثقافة التي حمّلتها رموزًا متعددة، مثالًا آخرًا على كيف يمكن لنبتة تجمع بين الجمال والقلق معًا، أن تفتح نقاشًا أوسع حول علاقتنا بما ينمو حولنا وما نحمله عنها من تصوّرات جاهزة.